يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
210
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
كلهم نحوها يصلون حيث كانوا ، كما قال تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] . ولما وصلت إلى مكة شرفها اللّه تعالى سنة إحدى وستين وخمسمائة ، أردت أن أعلم كيف نتوجه إلى البيت من بلادنا فاختبرتها ثم بشيء لا ينكر عليك ، وقفت أمام الحجر قبالة الميزاب من البيت - أكرمه اللّه تعالى - عند مغيب الشفق في أول ليلة من أغشت ، والشمس إذا ذاك في الزبرة ، فكان الطالع في ذلك الوقت على جبل أبي قبيس - وهو قبالة الحجر الأسود - سعد الأخبية قبالة إمام المنكب الأيسر ، وغربت الزبرة خلف المنكب الأيمن ، وسعد الذابح قبالة الوجه ، والسماك على رأس الكتف الأيمن كأنه من خلفه قليلا يقابل شحمة الأذن ، ويقابله من الجهة الأخرى على الشمال النجم الذي على هودج البعير ، فلما انتصف الليل صار سعد الأخبية أمام الوجه ، وغربت الشولة وطلعت الثريا . تقف كما قلت لك ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه ، ولا تفتل عنقك يمينا ولا شمالا ، فتبصر سعد الأخبية بين عينيك ، والشولة على حاجبك الأيمن ، والثريا على حاجبك الأيسر . لكن إذا غابت الشولة ويقرب القلب على يمينك يقابل ذراعك ، ويطلع على ذراعك الأيسر ثلاثة أنجم تشبه البطين ، وهي بين البطين والبرجيس . فإذا طلع الفجر أو قارب طلعت الجوزاء على جبل أبي قبيس معترضة ، وغرب النسر الواقع في الموضع الذي تغرب فيه الزهرة ، ويكون على قمة الرأس الحوت . ولا تقل كيف تكون الشمس بالزبرة والفجر بالهقعة ، إنما أخبرت بالظاهر لأن مكة - أكرمها اللّه - في بطن واد والجبال محدقة بها من كل جانب . ومعلوم أن الطالع بالفجر ذلك الوقت الطرف لكن حال الجبال دون رؤيته ، وأيضا فإن جبل أبي قبيس إنما هو بين المشرق والجهة التي هي قبلتنا نحن ، ويكون النسر في الواقع في هذا الوقت على كتفك الأيمن خلف ظهرك ، والعوّا بين كتفيك ، وعلى الأيسر منهما الفرقدان ، ووقت العشاء الآخرة من ذلك الشهر تبصر سطرا مستويا قد أخذ من بين المغرب والقبلة أمام وجهك إلى بين المشرق والقبلة ، كان طرفه إلى المغرب أميل قليلا ، فيه الشولة والنعائم والبلدة والسعود الأربعة ، وأحد نجمي الفرغ المؤخر الذي من جهة القبلة ، ووافق أن كان قد اجتمع في البلد زحل والمشتري ، وأسفل منها قليلا المريخ ، ويقرب منهما سعد الذابح ، فكأنهما في صف معوج قليلا . أراك اللّه ذاك هناك فهو مناك . وذا فصل الفوائد قد تقضى * وآخذ بعد في طاء وظاء فلا تنس المؤلف من دعاء * بظهر الغيب في خير انقضاء